داخل ما أرى
بعد وقتٍ كافٍ، ستدرك أن ما يصنعك لم يكن اختياراتك كما ظننت، بل تلك الشرارة الأولى؛ فكرة عابرة وُلدت في صمت، ثم تركت فيك أثرًا لا يُمحى، وكل ما تبعها كان امتدادًا لها، حتى أنت. طموحاتك لم تكن حرّة، وأحلامك لم تكن لك، وخططك لم تكن سوى محاولة متأخرة لفهم ما بدأ قبل وعيك. والوعي نفسه، ذلك العبء الذي لم تختره، هو ما يفتح عينيك أكثر مما ينبغي؛ يجعلك موجودًا دون أن تنتمي، محاطًا بالوجوه تفصلك عنها مسافة لا تُقاس. ترى ما لا يُقال، تقرأ ما خلف النظرات، وتلمح الزيف المختبئ خلف الضحك، والفراغ المزروع داخل العلاقات. تفاصيل يقضي الآخرون حياتهم في الهروب منها، وتجد نفسك عالقًا فيها، حتى تدرك أن معظمهم نسخ متكررة، تعيد نفس الكلمات وتؤمن بنفس الأفكار دون أن تسأل لماذا، وأن من يحاول أن يرى بطريقته أو ينحرف قليلًا عن الصف يصبح غريبًا… تمامًا مثلك. حينها تفهم أن الوعي لم يكن ميزة، بل عزلة مقنّعة؛ تحاول أن تُبسّط نفسك، أن تصير نسخة أقل تعقيدًا، لكن عقلك يرفض، يظل يحلل ويربط ويشك ويفكر، كأنك عالق داخل ما ترى. وفي الخلفية، تمضي الحياة بلا تفاوض ولا خطأ في الهدف، تشكّلك كما تشاء، ثم تتركك لتصدق أنك من اختار. لن يقف أحد إلى جوارك، ليس لأنهم لا يريدون، بل لأن كل شيء حتى نفسك منشغل بإكمال ما بدأه. لا حياد هنا؛ إما أن تُستَخدم أو تُقاوم بلا جدوى. وفي النهاية، لن يكون لك طريق تختاره، بل طريق يُملى عليك، وكل ما تملكه حقًا هو هذا الوهم الأخير: أن تشعر، أن تقبل أو ترفض… ثم تمضي.
